علي بن حسين الباقولي الأصبهاني ( جامع العلوم )
113
كتاب شرح اللمع في النحو لابن جني
[ قلت ] : إن أبا إسحاق « 1 » زعم أن قوله : ( أيّاما ) منصوب بمضمر . أي : أيا تريد ، أو غير ذلك . وكان هذا يقويه وقف يعقوب « 2 » ، حين وقف ، فقرأ : ( قل ادعوا اللّه أو ادعوا الرّحمن أيّا ) « 3 » ثم يبتدئ ، فيقول : ( ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ) . أي : أيا يكون ، فينصب ( أيا ) بمضمر . وهذا الذي تجنّبه لازم له في ( ما ) لأن قوله ( ما تدعوا ) ، ما : منصوب بتدعوا ، وتدعوا مجزوم به . ويكون ( ما ) على قراءته شرطا . قال : وكنا قديما على هذا ، فإذا هو يذكر هذه المسألة ، فوقع لأبي إسحاق ما قالوا في باب : هند ، ودار ، وإن الحركة في ( دار ) لا اعتداد به ، ف ( دار ) بخلاف قدم . وقال أبو علي في قوله : زيد لقيته ، وعمرا كلمته ، إن اختياره النصب هو الوجه . ولا يلزمه قول الزيادي « 4 » : إنك لو قلت : زيد لقيته ، وعمرا كلمته ، كان محالا ، لأن الإعراب لم يظهر في لقيته ، فلا اعتداد به ، فكذا ، لا اعتداد بإعراب ( ما ) حيث لم يظهر فيه الإعراب ، فافترق الحال بينه ، وبين ( أيّ ) . وأجازوا : أيا تضرب يأتك . فنصبوا ( أيا ) بالفعل . ولو قيل : أيّهم يأت تضرب ، لم يكن في ( أي ) إلا الرفع . فلم يجيزوا نصب ( أي ) بالجواب ، لأن نصبه يوجب تقديم الجواب [ 27 / أ ] عليه . وتقديم الجواب ، يوجب رفع الجواب . وأجازوا نصبه بالشرط ، دون الجواب . وهذا المعنى يلزم أيضا في الشرط ، إلا أنه ربما يقال : إن ( أيّا ) مع الشرط كالشئ الواحد ، لا يقدر انفصال كل واحد منهما عن صاحبه . والجواب قد ينفصل ، فيضمر لدلالة ما تقدم من الكلام عليه ، نحو : أضرب إن ضربت . وأنت ظالم إن فعلت . فأما إلزام الكسائي ما ألزم ، فليس بلازم ، لأن قولك : أيّهم تضرب ، وإن كان منصوبا ب ( تضرب ) وجزم ( تضرب ) به ، في المعنى تدافع بهذا اللفظ سائغ . ألا ترى أنه جاء : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ « 5 » و لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها « 6 » فمن حيث النظر إلى كون الفعل ، والفاعل ، فالفاعل مقدم على المفعول ، ومن حيث النظر إلى الكناية ، فلا بد من تقديم المكنيّ عنه . فكذا هاهنا : أيّهم تضرب ، من حيث النصب ، هو في نية التأخير ، ومن حيث الجزم ، هو في نية التقديم . فأما : زيد قائم ، فهو يربط أحدهما بصاحبه ، فيرتفع ، ولا يثبت . [ فإن قلت ] : فإن الذي ذكرناه أولى مما ذكرتموه ، لأنكم تدّعون معنى يرفع المبتدأ وذاك المعنى يزول ، فلا يصلح أن يكون عاملا ، لأن العامل يقتضي المعمول . كقولنا : ذهب زيد . ذهب
--> ( 1 ) معاني القرآن وإعرابه - للزجاج 2 : 264 ، وفيه : ( فأعلمهم اللّه أن دعاءهم الرحمن ، ودعاءهم اللّه يرجعان إلى شيء واحد ، فقال : ( أيا ما تدعوا ) المعنى : أي أسماء اللّه تدعوا ( فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ) . ( 2 ) هو : أبو محمد ، يعقوب بن إسحاق بن زيد ، الحضرمي ( ت 205 ه ) . أخذ القراءة عن : سلام الطويل ، ومهدي بن ميمون ، وأبي الأشهب العطاردي ، وآخرين . روى القراءة عنه : زيد ابن أخيه ( أحمد ) ، وكعب بن إبراهيم ، وعمر السراج ، وآخرون ، كان عالما بالعربية ، ووجوهها ، والقرآن ، واختلافه . ينظر : غاية النهاية 2 : 386 - 389 ، والبلغة 287 . ( 3 ) برواية : رويس ، وكذلك وقف : حمزة ، والكسائي . التيسير 61 ، وإتحاف الفضلاء 287 . ( 4 ) هو : أبو إسحاق ، إبراهيم بن سفيان ، الزيادي ( ت 249 ه ) . أخذ عن : الأصمعي ، وغيره ، وأخذ عنه : أبو العباس ، المبرد ، وغيره . له : ( كتاب النقط والشكل ) ، و ( كتاب تنميق الأخبار ) . ينظر : أخبار النحويين البصريين 67 ، وطبقات النحويين واللغويين 99 ، ومراتب النحويين 75 . ( 5 ) 2 : سورة البقرة 124 . ( 6 ) 6 : سورة الأنعام 158 .